الوسواس القهري والأحلام

*الوسواس القهري والأحلام*

في مكانٍ ما بين الحلم واليقظة… يولد مرضٌ لا صوت له، ولا بداية. فقط شعورٌ داخليٌ بوجود شيء ناقص، مفقود، غير مكتمل… شيء يدفعك لتكرار ما لا تفهمه، وتخشى ما لا تراه.

لم يكن نائمًا كالبقية… بل كان يُعاد.
يُعاد حلمه كما يُعاد الخطأ في كتابٍ لا يُمحى، يغسل يديه في ماءٍ لا يُنظّف، يطفئ نارًا لا تنطفئ، يُقفل بابًا يعود للانفتاح وحده… مرارًا، حتى بدا كأن الحلم نفسه مصابٌ بالوسواس.

الناس تخشى الكوابيس لأنها مخيفة، أما هذا… فلم يكن مخيفًا. كان منظّمًا أكثر من اللازم. مرتبًا لدرجةٍ مزعجة، نظيفًا لدرجةٍ مَرَضية، دقيقًا كساعةٍ معطوبة لا تتوقف عن العمل.

ولم يكن يعلم… أن ما يراه ليس مجرد حلم، بل أول نَفَسٍ لمرضٍ نفسانيٍّ عميق… يزحف نحوه من خلف أبواب اللاوعي.

الوسواس القهري لا يبدأ كعادةٍ سيئة، ولا كفكرةٍ تافهة. بل كرمزٍ يتكرّر، كصورةٍ تنقش نفسها في الحلم، كطقسٍ داخليٍّ يُؤدى في الظلام… قبل أن يصعد للسطح ويُعلن وجوده في وضح النهار.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية… حين تكتشف أن الوسواس لا يسكن في أفعالك، بل في رموزك. وأن العلاج لا يبدأ من سلوكك، بل من تفسير أحلامك.

في علم النفس التحليلي عند كارل يونغ، يُنظر إلى الحلم على أنه رسالة روحية ورمزية من اللاوعي، وساحة لاستباق الاضطرابات قبل أن تُترجم إلى سلوك. وهذا ما يجعل الحلم في حالات الوسواس القهري، ليس نتيجة، بل علامة مبكرة، صامتة، لا يفهمها إلا من يتقن لغة الرموز.

في دراسة منشورة في مجلة “Journal of Obsessive Disorders”، وُجد أن مرضى الوسواس القهري يرون أحلامًا تحتوي على طقوس صارمة ومتكررة: غسل، عدّ، ترتيب، إغلاق أبواب، تكرار كلمات أو أفعال. هذه الأحلام ليست مجرد صدى لأفعال النهار، بل نوع من “بروفة لاواعية” للسلوك القهري قبل أن يظهر.

وفي حالات كثيرة، وُجد أن الأحلام الوسواسية تتكرر حتى قبل ظهور الوسواس نفسه. أي أن الحلم يسبق المرض.

وهنا السر الأول: الوسواس القهري يبدأ في الحلم… لا في الواقع.

يُعيد اللاوعي ترميز مشاعر الذنب، الخوف، والقلق، داخل حلم منظّم، مغلق، محكوم. فالدماغ المصاب بالوسواس لا يعرف “النهاية”، بل يعيش في دائرة مغلقة. والحلم يصبح مسرحًا لهذه الدائرة.

يرى المريض نفسه يغسل، يُعيد، يُعد، يكرر، يعتذر، يرتّب… لا لأنه يريد، بل لأنه مهووسٌ بإرضاء قوة غير مرئية، صوت داخلي صارم لا يقبل النقص.

وفي دراسة حديثة في جامعة تافتس الأميركية، أظهرت صور الرنين المغناطيسي الوظيفي أن مناطق الدماغ المسؤولة عن القلق والقرار (مثل القشرة الجبهية الحجاجية) تظل نشطة حتى أثناء النوم في مرضى الوسواس. أي أن “الحلم المصاب بالوسواس” ليس تخيّلًا… بل حالة عصبية حقيقية.

وهنا السر الثاني: الأحلام الوسواسية تُبرمج الدماغ كما يبرمج الدماغ السلوك.

ليس كل حلمٍ عشوائي. بعض الأحلام تُشكّل بنيةً رمزية لتغذية السلوك لاحقًا. وكأن اللاوعي يُجري بروفة متكررة ليُقنع الدماغ بأن هذه الطقوس ضرورية للبقاء.

لكن ماذا لو فُكّ الرمز؟

عندما نبدأ في تحليل هذه الأحلام لا كسيناريوهات، بل كرموز… تتغير الصورة. فالحلم المتكرر بغسل اليدين، لا يعني وسواس النظافة فقط… بل تطهير من ذنب، أو رغبة في التخلّص من ماضٍ لاصق. والباب الذي يُغلق مرارًا، قد يكون رمزًا لنقاش لم يُنهَ، أو جرح لم يُغلق.

وهنا يظهر البعد العميق:

الأحلام ليست استنساخًا للسلوك… بل كشفًا للنية الخفية خلفه.

أحد المرضى رأى نفسه يُعيد كتابة جملة على السبورة في الحلم مئات المرات. لم يكن مدرسًا، بل شابًا يُعاني من نقد داخلي قاسٍ. وعند التحليل، كانت الجملة في الحلم تترجم فكرته عن نفسه: “أنا لا أستحق المغفرة”.

العلاج لم يبدأ بالعقاقير، بل بجلسة مواجهة… ثم بدأت الأحلام تختلف. توقفت السبورة. وبدأت تظهر أحلام فيها كتابة شعر.

وهنا السر الثالث: عندما يُفكّ رمز الحلم، تتغير بنية الوسواس من الداخل.

فالعقل الباطن لا يُشفى بالقوة، بل بالفهم.
والأحلام ليست طقوسًا ليلية، بل رسائل مشفّرة… لمن يُحسن قراءتها.

كل من يرى حلمًا يتكرر بشكل مقلق، منظّم أكثر من اللازم، يحتوي على طقوس صارمة… لا يهمل ذلك.
فهذا ليس مجرد حلم… بل مرآة باكرة لاضطرابٍ قد يتمركز لاحقًا.

العقل الباطن يُرسل إنذاراته قبل أن يتحول الخلل إلى مرض.

فلا تُطفئ الحلم… لعلك تُنقذ اليقظة

بقلم / فريح الرويلي

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *