بوابة الإدراك
العودة لكافة المقالات
علم النفس والوعي

لماذا ننجذب للناس الذين لا يمنحوننا استقرارًا عاطفيًا؟

المستشار فريح الرويلي2026-11-01وقت القراءة: 5 دقائق
لماذا ننجذب للناس الذين لا يمنحوننا استقرارًا عاطفيًا؟

قد يبدو الأمر متناقضًا: الشخص الذي يمنحنا اهتمامًا ثابتًا ووضوحًا عاطفيًا قد لا يثير فينا نفس “الإثارة” التي نشعر بها تجاه شخص بارد أو متذبذب أو غير واضح في نيّته. لكن هذا لا يعني أن الهدوء بلا قيمة، ولا يعني أن القلق دليل على حب أكبر. في كثير من الحالات، قد يكون الانجذاب إلى العلاقات غير المستقرة مرتبطًا بأنماط تعلّمناها سابقًا حول الأمان والقرب والاهتمام، لا بدليل على أننا لا نستحق علاقة مستقرة.

هذا المقال يشرح الأسباب النفسية المحتملة وراء هذا النمط، وكيف يمكن التمييز بين الانجذاب الحقيقي والقلق، وما الخطوات العملية التي قد تساعد على بناء علاقات أكثر أمانًا.

ماذا يعني “شريك غير متاح عاطفيًا”؟

الشريك غير المتاح عاطفيًا هو شخص يجد صعوبة في تقديم القرب العاطفي أو الاستجابة لاحتياجات الطرف الآخر بشكل منتظم. قد يظهر ذلك في صور مختلفة، مثل:

  • تجنّب الحديث عن المشاعر أو المستقبل.

  • التذبذب بين القرب والابتعاد.

  • تأخير الرد أو الاختلاف في مستوى الاهتمام دون تفسير واضح.

  • تجنّب الالتزام أو إعطاء وعود غامضة.

  • الاعتماد الكبير على الاستقلال حتى يصبح القرب العاطفي صعبًا.

من المهم التمييز بين شخص يحتاج وقتًا لمعالجة مشاعره، وشخص يتجنب المسؤولية العاطفية بشكل متكرر. الحاجة إلى مساحة شخصية طبيعية، أما التجنب المستمر الذي يترك الطرف الآخر في حالة قلق وانتظار فقد يصبح مصدر ضغط في العلاقة.

لماذا قد يبدو القلق وكأنه حب؟

عندما تكون العلاقة غير واضحة، قد يزداد تفكير الشخص فيها: متى سيرد؟ لماذا اختفى؟ هل فعلت شيئًا خاطئًا؟ هذا القلق قد يُخطئ عليه البعض بأنه دليل على حب قوي، لكنه في الواقع قد يكون استجابة الجهاز العصبي لعدم اليقين.

تشير أبحاث نظرية التعلق (Attachment Theory) إلى أن تجارب الإنسان المبكرة مع مقدمي الرعاية قد تسهم في تشكيل طريقة تعامله مع القرب والثقة في العلاقات اللاحقة. فمن عاش تجارب اهتمام غير منتظمة أو مشروطة قد يتعلم، دون وعي، ربط الاهتمام بالانتظار أو الجهد أو الخوف من الفقد.pmc.ncbi.nlm.nih

هذا لا يعني أن كل شخص ينجذب لعلاقات غير مستقرة مرّ بتجربة طفولية صعبة، ولا يعني أن الأسرة هي السبب الوحيد. فالتجارب اللاحقة، والثقة بالنفس، والضغوط الحياتية، وطريقة التواصل بين الشريكين، كلها عوامل قد تؤثر في نمط العلاقة.

دور أنماط التعلق

نظرية التعلق لا تصنّف الناس بشكل قاطع إلى “نوع ثابت” لا يتغير، بل تتحدث غالبًا عن ميول وأبعاد قد تختلف من علاقة إلى أخرى ومن مرحلة إلى أخرى. ومن أبرز هذه الأبعاد:

  • القلق من الرفض أو الهجر: ميل إلى القلق من فقدان الشريك أو عدم كفاية الاهتمام.

  • تجنّب القرب: ميل إلى الاعتماد على النفس وتقليل التعبير عن الحاجة إلى الدعم أو الحميمية العاطفية.

تشير مراجعات بحثية إلى أن كلا البعدين يرتبطان غالبًا بانخفاض الرضا في العلاقات، وأن تجنّب القرب قد يكون له أثر أقوى في بعض الدراسات.pmc.ncbi.nlm.nih

قد يظهر نمط “المطالبة والانسحاب” عندما يطلب أحد الشريكين مزيدًا من القرب بينما ينسحب الآخر للحفاظ على مساحته. كلما ازداد ضغط الطرف الأول، ازداد انسحاب الطرف الثاني، فيتشكل دورة تزيد التوتر لدى الطرفين.pmc.ncbi.nlm.nih

لماذا قد نختار ما يؤلمنا؟

هناك عدة تفسيرات نفسية محتملة، وليست بالضرورة واعية أو مقصودة:

الألفة قد تُخطئ عليها بأنها انجذاب

إذا كان عدم الاستقرار جزءًا من تجارب سابقة، فقد يبدو الغموض العاطفي مألوفًا. أما العلاقة الهادئة والواضحة فقد تشعر أحيانًا بأنها “بلا حماس”، ليس لأنها فعلًا بلا قيمة، بل لأن الجهاز العصبي لم يعتد على الأمان بعد.psychologytoday

البحث عن إثبات للقيمة

قد يدفع بعض الناس إلى العلاقات الصعبة فكرة ضمنية مثل: “إذا أقنعته أن يحبني، فسأشعر أنني كافٍ.” هذه الفكرة قد تربط القيمة الذاتية بقدرة الشخص على كسب محبة شخص بعيد أو متردد، بدلًا من بناء علاقة متبادلة.psychologytoday

الخوف من الضعف

العلاقة الآمنة تتطلب الظهور كما نحن، مع مخاوفنا وحاجاتنا وحدودنا. وهذا قد يكون صعبًا لمن تعوّد على حماية نفسه بالمسافة. قد يبدو الانجذاب إلى شخص غير متاح طريقة غير مباشرة لتجنب التعرض الكامل للقرب الحقيقي.psychologytoday

الفرق بين الانجذاب والاتصال الآمن

قد يكون من المفيد طرح أسئلة عملية بدل الاعتماد على شدة المشاعر فقط:

  • هل أشعر بالأمان عندما أعبر عن حاجتي؟

  • هل يستجيب الشريك لاحتياجاتي العاطفية بشكل معقول ومنتظم؟

  • هل العلاقة تمنحني طاقة أم تستنزفني؟

  • هل أجدّد جهدي لأحصل على اهتمام أساسي يجب أن يكون متبادلًا؟

  • هل أشعر أنني أقبل بعلاقة أقل مما أحتاج خوفًا من الفقد؟

الاتصال الآمن لا يعني غياب الخلافات أو الاختلافات، بل يعني وجود استجابة واحترام ووضوح كافٍ يجعل الطرفين قادرين على معالجة الخلاف دون خوف دائم من الرفض أو الهجر.

خطوات عملية للمساعدة على النفس

هذه خطوات عامة قد تساعد على التفكير بوضوح، لكنها لا تُغني عن الدعم المتخصص عند الحاجة:

  1. لاحظ النمط دون لوم النفس. اكتب المواقف التي شعرت فيها بالقلق أو الانتظار، وما حدث بعدها.

  2. افصل بين الشعور والحقيقة. الشعور بالقلق حقيقي، لكنه لا يعني بالضرورة أن العلاقة صحية أو أن الشخص مناسب.

  3. حدد احتياجاتك بوضوح. مثل التواصل المنتظم، الوضوح في العلاقة، الاحترام، أو الاستجابة العاطفية.

  4. راقب الاستجابة لا الوعود فقط. السلوك المتكرر أكثر دلالة من الكلام المؤقت أو الوعود الغامضة.

  5. ضع حدودًا واقعية. مثل تحديد ما يمكنك قبوله وما لا يمكنك قبوله، والالتزام به دون تحويل الحدود إلى عقاب.

  6. لا تحاول “إصلاح” الشريك. التغيير مسؤولية الشخص نفسه، ولا يمكن لأحد أن يمنح استقرارًا عاطفيًا لشخص لا يرغب أو لا يستطيع المشاركة فيه.

متى تكون المساعدة المتخصصة مفيدة؟

قد يكون الاستشارة النفسية مفيدة إذا كان الشخص يكرر نفس النمط في العلاقات، أو يشعر بقلق مستمر، أو يجد صعوبة في الثقة والقرب، أو يعيش علاقة تستنزفه عاطفيًا. يمكن أن تساعد العلاجات النفسية، ومنها العلاج المتمحور حول التعلق أو العلاج المعرفي السلوكي، على فهم الأنماط وتطوير مهارات التواصل وتنظيم المشاعر.

كما قد يكون الدعم المتخصص مهمًا إذا كانت العلاقة تتضمن إساءة أو تهديد أو تحكم أو عنف. في هذه الحالة، لا يكفي “تحسين التواصل”؛ فالأولوية تكون للسلامة والدعم من جهات مختصة وموثوقة.

أسئلة شائعة

هل الانجذاب لشخص غير متاح عاطفيًا يعني أنني أعاني من اضطراب؟

لا. الانجذاب إلى علاقات غير مستقرة تجربة إنسانية قد تحدث لأسباب متعددة، ولا يكفي عرض واحد لتشخيص أي اضطراب. التقييم يحتاج إلى مختص يراجع السياق والمدة والشدة وتأثير الأعراض في الحياة.

هل يمكن أن يتغير الشخص غير المتاح عاطفيًا؟

التغيير ممكن في بعض الحالات، لكنه يعتمد على رغبة الشخص ووعيه وجهده، ولا يمكن ضمانه من طرف آخر. الوعود وحدها ليست دليلًا على التغيير؛ السلوك المتسق عبر الوقت هو الأهم.

هل الهدوء في العلاقة يعني أنها مملة؟

لا بالضرورة. الهدوء قد يكون علامة على الأمان والوضوح، خاصة إذا كان مصحوبًا باهتمام متبادل واحترام واستجابة عاطفية. أما الملل الحقيقي فيرتبط غالبًا بغياب التواصل أو النمو المشترك أو الاهتمام، وليس بغياب القلق.

هل يجب إنهاء العلاقة فورًا؟

لا يوجد جواب واحد يناسب الجميع. المهم تقييم الواقع: هل هناك احترام واستجابة وتغيّر حقيقي؟ أم أن العلاقة تكرر نفس الألم دون مسؤولية أو جهود واضحة؟ في حالات الإساءة أو الخطر، تكون الأولوية للسلامة وطلب الدعم.

خاتمة

الانجذاب إلى الشخص الذي يربكنا عاطفيًا لا يعني أننا ضعفاء أو أننا لا نستحق الحب. قد يكون إشارة إلى أنفسنا نتعلم فيها ما يعنيه الأمان، وما الفرق بين الشدة العاطفية والاتصال الصحي. الخطوة الأولى ليست تغيير الآخر، بل فهم احتياجاتنا ووضوح حدودنا واختيار علاقات تمنحنا مساحة نكون فيها أنفسنا دون خوف دائم.

وسوم المقال:#وعي#اتزان#علم النفس#العلاقات

هل تشعر أن هذا المقال يصف حالتك وترغب في استشارة متخصصة؟

احجز جلسة استشارية خاصة مع المستشار فريح الرويلي في مساحة آمنة وسرية تامة بنسبة 100% لفهم أبعاد مشاعرك والوصول لحلول عملية مستدامة.